السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

216

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قيد قوله : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ بقوله إِذا دَعانِ ، وهذا القيد غير الزائد على نفس المقيد بشيء يدل على اشتراط الحقيقة دون التجوز والشبه ، فان قولنا : اصغ إلى قول الناصح إذا نصحك أو أكرم العالم إذا كان عالما يدل على لزوم اتصافه بما يقتضيه حقيقة ، فالناصح إذا قصد النصح بقوله فهو الذي يجب الاصغاء إلى قوله والعالم إذا تحقق بعلمه وعمل بما علم كان هو الذي يجب إكرامه فقوله تعالى إذا دعان ، يدل على أن وعد الإجابة المطلقة ، إنما هو إذا كان الداعي داعيا بحسب الحقيقة مريدا بحسب العلم الفطري والغريزي مواطئا لسانه قلبه ، فإن حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة ، دون ما يأتي به اللسان الذي يدور كيفما أدير صدقا أو كذبا جدا أو هزلا حقيقة أو مجازا ، ولذلك ترى أنه تعالى عد ما لا عمل للسان فيه سؤالا ، قال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( إبراهيم / 34 ) ، فهم فيما لا يحصونها من النعم داعون سائلون ولم يسألوها بلسانهم الظاهر ، بل بلسان فقرهم واستحقاقهم لسانا فطريا وجوديا ، وقال تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( الرحمن / 29 ) ، ودلالته على ما ذكرنا أظهر وأوضح . فالسؤال الفطري من اللّه سبحانه لا يتخطى الإجابة ، فما لا يستجاب من الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد أحد أمرين وهما اللذان ذكرهما بقوله : دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ . فإما أن يكون لم يتحقق هناك دعاء ، وانما التبس الأمر على الداعي التباسا كان يدعو الانسان فيسأل ما لا يكون وهو جاهل بذلك أو ما لا يريده لو انكشف عليه حقيقة الامر مثل ان يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميت ، ولو كان استمكنه ودعا بحياته كما كان يسأله الأنبياء لاعيدت حياته ولكنه على يأس من ذلك ، أو يسأل ما لو علم بحقيقته لم يسأله فلا يستجاب له فيه . وإما أن السؤال متحقق لكن لا من اللّه وحده كمن يسأل اللّه حاجة من حوائجه وقلبه